(قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعن)

 

الـلـــمـم

"""""""""""

 

يطلق اللمم على مقاربة الشيء دون مواقعته والولوج فيه ، ويطلق على الصبي إذا ناهز البلوغ فيقال ألم الصبي ، ومنه قوله (ص) (إن الله تجاوز عن أمتي ما وسوست به صدورها ما لم تعمل أو تكلم)[رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة] وعلى ذلك إذا هم العبد بمعصية دون مواقعتها فيقال ألم بها .

 

كما يطلق على المعصية بذاتها "لمم" باعتبارها ألمت بالعبد أو هو ألم بها ومنه قوله (ص) لعائشة لما اتهمت (يا عائشة إن كنت ألممت ذنب فاستغفري الله وتوبي إليه فإن العبد إذا اعترف بذنبه وتاب تاب الله عليه) رواه البخاري ، ومنه أيض قوله (ص) (اجتنبوا هذه القاذورات التي نهى الله عز وجل عنها فمن ألم فليستتر بستر الله عز وجل "فإنه من يبد لنا صفحته نقم عليه كتاب الله")[أخرجه الألباني عن ابن عمر وقال صحيح والزيادة حسنة] وكان العرب في الجاهلية يقولون (إن تغفر اللهم تغفر جم وأي عبد إلا لك ألما) فقد تبين مما سبق أن اللمم يطلق على المعصية ومقاربتها .

 

والآن نذكر الآية المباركة ، قال تعالى (ولله ما في السماوات وما في الأرض ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى * الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم إن ربك واسع المغفرة)[النجم:32،31] فقد قسمت هذه الآية المباركة الناس إلى قسمين محسن ومسيء ثم شرعت في ذكر صفات المحسنين فبينت أنهم الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش ، ولنا هنا وقفات نستلهم منها معنى الآية :

 

الأولى : قوله (الذين يجتنبون) والاجتناب هو أن تكون في جانب والمجتنب في جانب آخر، أي هو المفارقة والابتعاد، ويكون ذلك بطريقتين أولاهما الابتعاد المطلق أي أن يبتعد المرء عما حرم الله فلا يقع في أي مخالفة ابتداء ، والأخرى أن يجتنب أي يبتعد عن المخالفة إذا واقعها وذلك بالتوبة .

الثانية : (كبائر الإثم) وقد علمنا مما مضى أن حرمات الله كلها كبائر وآثام، إذ فكبائر الإثم هي المعاصي قبل التوبة منها .

 

الثالثة : (والفواحش) و"فحش الشيء" أي تجاوز حده فكل مجاوزة للحد فحش ، وعليه فكل مخالفة لأمر الله فحشاء لأنها مجاوزة لحدود الله .

مما سبق تجد أن المعنى اتحد واختلف اللفظ وهذا هو العطف الذي يفيد البيان والتوضيح ، فقد ورد اللفظ في سياق البيان والتوضيح لمعنى كبائر الإثم إذ هي الفواحش .

 

وتأسيس على ذلك تكون الآية كالآتي : (المحسنون هم الحافظون لحدود الله المجتنبون لمحارم الله إلا اللمم ، فإن اللمم لا ينفي عن صاحبه صفة الإحسان) .

 

وقد تبين أن اللمم هو معصية الله ، وهو ما يكون على الإنسان بعد التوبة و هو المقاربة ، فأما الأول وهو المعصية فقد وصف الله المحسنين باجتنابه ، فليس هو المقصود في هذه الآية ، وأما الثاني والثالث فلا ينفى عن المحسنين الاتصاف به ، وسنـزيد هذه النقطة بيان .

 

والاستثناء في هذه الآية استثناء منقطع وذلك للآتي :

 

سبق أن علمنا أن اللمم هو مخالفة أمر الله وهو أيض أثر المخالفة بعد التوبة أو مقاربة الذنب، وعلى ذلك لا يصح أن يكون اللمم في هذه الآية هو المخالفات وإلا لنقض آخر هذه الآية أولها بحيث يصير معناها (الذين يجتنبون كبائر الإثم إلا كبائر الإثم) أي (الذين يجتنبون المعاصي إلا المعاصي) وهذا لا معنى له فلا يبقى إلا احتمال واحد وهو ما يكون على المرء بعد التوبة ويصير معنى الآية (المحسنون هم الذين يحفظون حدود الله إلا ما قد سلف) ويصير الاستثناء هنا منقطع وهو عند المخالفين لنا كذلك إلا أنهم يقولون أن اللمم ليس من الكبائر وأنه هو الصغائر على حد زعمهم وهذا ما لا برهان عليه ، بل هو مخالف لما أثبتناه أن المعاصي كلها كبائر وعظائم ، وحتى الآية نفسها قد بينت أن ذلك اللمم من صفات المحسنين فهل يكونون أهل صغائر كما زعموا ..!؟ إذ قد أحسنوا بهذه الصغائر فما عليهم إلا أن يحددوا ما هي الصغائر ويمارسونها وهذا بعيد كل البعد .

 

قال صاحب البيان في إعراب القرآن : قال تعالى (الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم) "الذين" في موضع نصب على البدلية من الذين السالفة .

 

قلت : فكأن الآية تقول (المحسنون هم الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش ولا ينفي عنهم صفة الإحسان ما قد اقترفوه من قبل من المعاصي التي اجتنبوها بالتوبة منها حتى وإن كانت عليهم آثارها ، وقد سماها الله لمم .

 

واختلفوا أيض في الكبائر والصغائر إلى أقوال يطول ذكرها فمن قائل هي سبع ومن قائل هي إلى السبعين أقرب ومن قائل هي كل ما عليه حد ومن قائل كل ما ورد على صاحبها وعيد بالنار أو بعدم دخوله الجنة أو لعنه أو نفى عنه الإيمان أو وسم صاحبها بالكفر أو الشرك أو النفاق .

 

وبحسب خلافهم في الكبائر يختلفون في الصغائر ويكون الفرق بينهم واسع، وقد نقلوا عن السلف "لا صغيرة مع إصرار ولا كبيرة مع استغفار" وهو قول حق فمن تاب لا يكون صاحب كبيرة ومن لم يتب فلا يكون ذنبه صغير ، ولكنهم يخالفون السلف فقد نقل عن الصحابة أنهم كانوا يقولون للتابعين "إنكم لتعملون أعمال هي في أعينكم أدق من الشعر كنا نعدها في عهد رسول الله من الموبقات" معنى ذلك أن الصحابة كانوا يعظمون المعاصي مع أن غيرهم قد كانوا يحقرونها ، ولكن جاء من بعدهم من قال أنها تقع مغفورة مطلق إذا اجتنبت السبع الكبائر ، أو على أي حد حدوه للكبائر، وهكذا هونوا حرمات الله وصاروا يتبعون أهواءهم بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير .

 

 

أنقر هنا للانتقال إلى أعلى الصفحة

 

 

أسباب الضـلال
مصادر الـهـدى
شبـهـات على الحجة
ما هو الإيـمـان ؟
الإيـمان والإسـلام
التفريق بين الإيـمان والإسلام
الحد الأدنى من العمل للإسلام
كشف أصول الشبهـات
شبهات وردود على إسلام العصاة

مقتطفات
منبر المسلم
رجال ونساء حول الرسول
في ظلال آية
مقتطفات رائعة من الصحف والمجلات ومواقع الانترنت
الملل الضالة
رسائل ومقالات
أدب الحوار
دعاة على أبواب جهنم
مواقع مفيدة
نصائح لمتصفحي الإنترنت
برامج مفيدة
بحوث فقهية
مفاهيم يجب أن تصحح
في الموقع
كتب مفيدة
الإسلام وواقع الناس
لمراسلتنا على البريد الإلكتروني : Daralhejra@yahoo.com
Takfeer@yahoo.com
 

* مواضيع قيد الإنشاء *